حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

14

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

يأخذه نعاس ، فضلا أن يأخذه نوم أو نقول : نفى الأخص أولا ، ثم نفى الأعم ليفيد المبالغة من حيث لزوم نفي النوم أولا ضمنا ثم ثانيا صريحا . ولو اقتصر على نفي الأخص لم يلزم منه نفي الأعم . والمعنى أنه لا يفتر عن تدبير الخلق لأن القيم بأمر الطفل لو غفل عنه ساعة اختل أمر الطفل ، وهو كما يقال لمن ضيع وأهمل : إنك لو سنان نائم . ومما يدل على أن السهو والغفلة والنوم على اللّه محال هو أن هذه الأشياء إما أن تكون عبارات عن عدم العلم ، أو عن أضداد العلم . وعلى التقديرين فجواز طريانها يوجب جواز زوال علم اللّه تعالى ، فلا يكون العلم مقتضى ذاته فيفتقر إلى فاعل : فواجب الوجود لذاته لا يكون واجبا بجميع صفاته ، فلا يكون حيّا ولا قيوما وهذا خلف . روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أن موسى عليه السلام سأل الملائكة : هل ينام ربنا ؟ فأوحى اللّه إليهم أن يوقظوه ثلاثا ولا يتركوه ينام ، ثم أعطاه قارورتين مملوءتين ماء في كل يد واحدة ، وأمره بالاحتفاظ . فكان يتحرز بجهده إلى أن نام في آخر الأمر فضرب إحداهما على الأخرى فانكسرتا . وكان ذلك مثلا في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السماوات والأرضين . وهذه الرواية ، إن صحت ، وجب أن ينسب هذا السؤال إلى جهال قوم موسى كطلب الرؤية ، وإلا فكيف يجوز على نبيّ اللّه تجويز النوم على « الحي القيوم » والتجويز شك ، والشك في مثله كفر . ثم لما بيّن كونه « قيوما » وأكده بما أكد ، رتّب عليه حكما وهو قوله لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لأن كل ما سواه فإنما تقوّمت ماهيته وتحصّل وجوده به ، فيكون ملكا له ، ويلزم منه أن يكون حكمه جاريا في الكل ، ولا يكون لغيره في شيء من الأشياء حكم إلا بإذنه وأمره ، وهو المراد بقوله : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ومعنى الاستفهام هاهنا الإنكار ، أي : لا يشفع ، وفيه ردّ على المشركين القائلين للأصنام : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] ويلزم من كون غيره غير متصرف في ملكه بوجه من الوجوه إلا بأمره كونه عالما بالكل وكون غيره غير عالم بالكل إلا بإعلامه . فأشار إلى الأول بقوله يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ، وإلى الثاني بقوله وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ والمعنى : يعلم ما كان قبلهم وما يكون بعدهم والضمير لما في السماوات والأرض ، لأن فيهم العقلاء فغلبوا ، أو لما دل عليه قول مَنْ ذَا من الملائكة والأنبياء والصالحين والشهداء . عن مجاهد وعطاء والسدي أي : يعلم ما كان قبلهم من أمور الدنيا وما كان بعدهم من أمور الآخرة ؛ وعن الضحاك والكلبي : « ما بين أيديهم » : الآخرة لأنهم يقدمون عليها ، « وما خلفهم » الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم . وعن ابن عباس : « يعلم ما بين أيديهم » من السماء إلى الأرض ، « وما خلفهم » يريد ما في السماوات وقيل : ما فعلوا من خير وشر وما يفعلونه بعد